حين يسدل الليل ستاره، وتغفو العيون، ويبقى القلب وحده ساهرًا على نداءٍ لا يُسمع، هناك ثلاثةٌ لا ينساهم الله، بل يُكلّمهم… لا بلسانٍ يُدركه البشر، بل بنداءٍ تعرفه الأرواح حين تخشع، وتعيه القلوب حين تُقبل.
الجنين في بطن أمه… حديث التكوين
في ظلمة الرحم، حيث لا ضوء ولا صوت، يُخلق الإنسان من عدم، قطعة لحم تنبض بخيوط الغيب. هناك، يكلمه الله، يقول له:
“اكتبوا رزقه، وأجله، وشقيٌّ أو سعيد.”
هناك تُطبع أولى أسرار القدر، ويُنفخ فيه من روح الرحمن. لا يسمع أحد حديث الله معه، لكن كل خلية في جسده تحمل هذا الكلام في عمق تكوينها.
في ذلك الظل الآمن، لا يدري الجنين بعد معنى الحياة، لكنه يسمع نداء الخالق، ويبدأ رحلته من رحم الكلام الإلهي إلى دنيا التجربة.
العبد الملحّ في الدعاء… حديث القرب
وفي جوف الليل، حين تتباعد الأنفاس وتغفو القلوب، هناك عبدٌ لا ينام، يطرق بابًا لا يُردّ طارقه، يرفع يديه المرتجفتين إلى السماء، ودمعه يسابق دعاءه.
الله لا يردّ عبده حين يلحّ، بل يُدنيه، يَسمع وجعه حين يعجز الآخرون عن فهمه، ويغمره بلطف لا يُرى، لكنه يُشعر.
إنه حديث المحبة، الذي يُقال في الخفاء، بين عبدٍ منكسر وربٍّ كريم، بين قلبٍ يضجّ بالرجاء، وسماءٍ مفتوحة لكلّ من يطرقها.
الشيخ الكهل… حديث الحكمة والرضا
وفي ركنٍ آخر من الليل، شيخٌ كهلٌ هدّه العمر، وخطّ الشيب على جبينه قصة الأيام، جلس هادئًا بعد أن مرّ بالفرح والخسارة، بالقوة والانكسار. لم يعد يسأل كثيرًا، لكنه ينظر إلى السماء طويلًا… يسكت، فينطق الله في قلبه.
يقول له:
“يا عبدي، قد بلغت من العمر ما بلغته، فاستحيِ مني كما تستحيي من أهل بيتك.”
كأن الله يقول له: قد عشت كثيرًا، وخبرت كثيرًا، فاجعل بقيتك لي. دع ما مضى، واصدق في الباقي.
حديث الله معه ليس أمرًا ولا نهيًا، بل مودة، كأن الخالق يحتضنه بالرفق، ويهمس إليه: اقترب، فالساعة قريبة، وأنا أرحم من كلّ من عرفت.
همسات السماء التي لا تنام
في كل هذا الليل، هناك ثلاث حوارات، لا يسمعها الناس، لكنها تشكّل أعظم معاني القرب:
حديث الله مع الجنين: وهو بعد لم يرَ شيئًا، دليل أن الرزق والقدر بيد الله وحده.
حديث الله مع العبد المُلحّ: وهو يقاوم اليأس، فيُعطى قبل أن يُجاب، ويُؤجر قبل أن يُقضى له.
حديث الله مع الشيخ الكهل: وهو يقف على عتبة الختام، فيُنادى بنداء الحياء والرفق والمغفرة.
فطوبى لمن سمع نداء ربه في قلبه، وإن لم يسمعه بأذنه…
وطوبى لمن ناجى في الليل، فكان من أولئك الذين يكلّمهم الله، لا لأنه مميّز، بل لأنه صادق في لحظة صفاء.